المقريزي
357
إمتاع الأسماع
إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي ( 1 ) وروى إبراهيم بن سعيد عن محمد بن إسحاق ، وروى الواقدي أيضا من حديث عبد الله بن جعفر ، عن عبد الواحد بن أبي عون الدوسي - وله حلف في قريش - قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما يرى من قومه يبذل لهم النصيحة ، ويدعوهم إلى النجاة [ مما ] ( 2 ) هم فيه ، وجعلت قريش حين منعه الله منهم يحذرونه الناس ، ومن قدم عليهم من العرب . وكان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث أنه قدم مكة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بها ، ومشى إليه رجال من قريش ، وكان الطفيل رجلا شريفا شاعرا لبيبا ، فقالوا له : يا طفيل ! إنك قدمت بلادنا ، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا ، وفرق جماعتنا ، وإنما قوله كالسخرة ، يفرق بين الرجل وبين أبيه وبين الرجل وبين أخيه ، وبين الرجل وبين زوجته ، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا ، فلا تكلمنه ولا تسمع منه ، قالوا : فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت على أن لا أسمع منه شيئا ولا أكلمه ، حتى حشوت أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا ( 3 ) ، فرقا أن يبلغني من قوله وأنا لا أريد أن أسمعه . قال : قغدوت المسجد ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة ، قال : فقمت قريبا منه ، فأبى إلا أن يسمعني بعض قوله ، قال : فسمعت كلاما حسنا قال : فقلت في نفسي : وا ثكل أمي ، والله إني لرجل لبيب شاعر ، ما يخفي على الحسن من القبيح ، فما يمنعني من أن أسمع من هذا الرجل ما يقول ؟ فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته ، وإن كان قبيحا تركته ، قال : فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته ، فاتبعته ، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه ، فقلت : يا محمد ! إن قومك قالوا لي : كذا وكذا ، فوالله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني
--> ( 1 ) هو الطفيل بن عمرو الدوسي ، صاحب النبي صلى الله عليه وسلم ، كان سيدا مطاعا من أشراف العرب ، ودوس بطن من الأزد ، وكان الطفيل يلقب ذا النور ، أسلم قبل الهجرة بمكة . له ترجمة مطولة في : ( سير أعلام النبلاء ) : 1 / 344 - 347 ، ترجمة رقم ( 75 ) ، ( طبقات ابن سعد ) : 4 / 237 ، ( طبقات خليفة ) : 13 / 224 ، ( تاريخ خليفة ) : 111 ، ( الجرح والتعديل ) : 4 / 489 . ( 2 ) زيادة للسياق من ( دلائل أبي نعيم ) . ( 3 ) الكرسف : القطن .